يأتي فيلم The Ice Tower، أو برج الجليد، كأحد أبرز الأعمال الفنية الأوروبية التي لفتت الأنظار في عام 2025. العمل من إخراج الفرنسية لوسيل هادزيهاليلوفيتش، التي عُرفت بأسلوبها التجريبي الفريد، وشاركها في كتابة السيناريو الكاتب جيوف كوكس.
الفيلم من إنتاج فرنسي–ألماني–إيطالي مشترك، ومن بطولة ماريون كوتيار وكلارا باتشيني، وهما محور هذا العمل الذي يمزج بين الدراما النفسية والخيال الرمزي في توليفة بصرية ساحرة.

قصة تحاكي الغموض والانعكاس
تبدأ الحكاية في سبعينيات القرن الماضي، حيث تهرب فتاة يتيمة تُدعى جان من دار للأيتام تقع على سفح جبل مغطى بالثلوج. وبينما تبحث عن مأوى، تجد نفسها داخل موقع تصوير فيلم يستلهم قصة ملكة الثلج الشهيرة لهانس كريستيان أندرسن.
هناك تلتقي كريستينا – نجمة الفيلم الغامضة التي تؤدي دور الملكة الثلجية – فتنجذب إليها بجاذبية تشبه السحر. شيئاً فشيئاً، يبدأ الخط الفاصل بين الواقع والخيال بالتلاشي، ويتحول التمثيل إلى مرآة تكشف أعمق أسرار النفس.

ما يجعل القصة آسرة هو الطريقة التي يدمج بها الفيلم عالم الطفولة البريء مع عالم السينما القاسي، فيصير الجليد رمزاً للهروب من الدفء الإنساني، بينما تتحول الكاميرا إلى عينٍ تبحث عن الحقيقة في برودة العالم.

شخصيات تنبض بالرمز
  • كريستينا / ملكة الثلج (ماريون كوتيار): امرأة قوية الملامح، غامضة الحضور، تجمع بين الجمال والرهبة. تمثل الوجه البارد للشهرة، والانعزال الذي تفرضه الأضواء.
  • جان / بيانكا (كلارا باتشيني): فتاة في مرحلة التكوين، تبحث عن ذاتها بين ضباب الذاكرة وثلوج الواقع. شخصيتها تجسّد البراءة التي تُختبر أمام إغراء القوة والهوية الجديدة.
  • ماكس ودينو: شخصيتان ثانويتان لكنهما تعكسان العالم الخفي لصناعة السينما، حيث الحقيقة تُعاد صياغتها وفق منظور من يقف خلف الكاميرا.

صورة تتحدث بصمت
من الناحية البصرية، يعد الفيلم لوحة فنية متحركة. استخدم المخرج الضوء الأبيض والانعكاسات الزجاجية والثلوج كعناصر رمزية تمثل الذاكرة الهشة، والعزلة، والتطهير الداخلي.
لا يعتمد العمل على الحوارات الطويلة بقدر ما يعبّر من خلال الإيقاع البطيء، ونظرات الممثلين، والتكرار المقصود للمشاهد، ليُشعر المشاهد بأنه يعيش داخل حلم متجمّد، لا يعرف أين يبدأ الواقع وأين ينتهي الخيال.

الرسائل والمعاني
في جوهره، The Ice Tower ليس مجرد قصة فتاة تهرب من دار الأيتام، بل رحلة في أعماق الذات الأنثوية، وسؤال عن معنى الهوية حين تُعاد صياغتها أمام عدسة الكاميرا.
الفيلم يلمّح إلى فكرة أن الفن قد يكون سلاحاً مزدوجاً — فهو يمنح الخلود لكنه أيضاً يجرد الإنسان من حقيقته.

الاستقبال النقدي
عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان برلين السينمائي الدولي 2025، حيث حصد جائزة الدب الفضي عن التميز الفني. وصفه النقاد بأنه “تجربة بصرية تحاكي الحلم”، ومنحه موقع Metacritic تقييماً بلغ 77 نقطة، في إشارة إلى تقدير نقدي مرتفع.
وقد أشاد كثير من النقاد بأداء ماريون كوتيار، التي جسدت شخصية مزدوجة تجمع بين السحر والبرود في توازن دقيق يصعب نسيانه.

تفاصيل إنتاجية
استغرق تصوير الفيلم عدة أشهر في جبال الألب، حيث تحولت الطبيعة الثلجية القاسية إلى عنصر درامي بحد ذاتها. بلغت ميزانيته نحو خمسة ملايين يورو، وحقق عرضاً محدوداً في دور السينما الأوروبية، ما جعله يُصنّف كعمل فني موجّه لعشّاق السينما التجريبية أكثر من الجمهور التجاري.


إن “The Ice Tower” ليس فيلماً لمشاهدة سريعة، بل تجربة تحتاج إلى تأمل. إنه عمل عن الغواية، والانعكاس، والبحث عن الذات وسط عالم من الزجاج والثلج.
يُذكّرنا الفيلم بأن البرودة ليست غياباً للحرارة، بل وجهاً آخر للحياة — وأن كل إنسان يحمل بداخله برجاً من الجليد، ينتظر اللحظة التي يذوب فيها أمام شعاع الحقيقة.